اعلانات

تعرَّف على أول سفير في الإسلام؟

هو من أصحاب محمد "صلى الله عليه وسلم"، وصفه المؤرخون بقولهم: "كان أعطر أهل مكة"، فقد كان شابًا جميلًا مدللًا لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر.

 

أنه "مصعب بن عمير" أو"مصعب الخير"، كما كان لقبه بين المسلمين، وأصبح حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها..

 

فكيف لذلك الفتى المدلل المنعّم أن يتحوّل إلى مثال فى الإيمان والفداء..؟

 

لقد سمع الفتى ذات يوم، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الذي يقول إن الله أرسله بشيرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى عبادة الله الواحد الأحد.

 

ولقد سمع أيضًا أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدًا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في دار "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...

 

هناك كان الرسول "صلى الله عليه وسلم" يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن، ويصلي معهم لله العليّ القدير.

 

ولم يكد مصعب يسمع آيات القرآن من الرسول، حتى امتلأ قلبه بالإيمان..!

 

وأسلم ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!!

 

وحين أسلم مصعب لم يكن ليخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه.

 

فقد كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها، وكانت تهاب إلى حد الرهبة.. ففكر سريعًا، وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرًا.

 

وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينهل من إيمانه .

 

ولكن مكة في تلك الأيام كانت لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على كل طريق..

 

ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد "صلى الله عليه وسلم"، فأسرع إلى أم مصعب، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...

 

ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته، القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم، ويملؤها بنور الإيمان والحق والعدل.

 

وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن يدها لم تطاوعها، ولكن إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..

 

فحبسته في دارها، وظل هكذا، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى إلى الحبشة مهاجرًا ..

 

وهناك خرج يومًا على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله، فما إن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم، وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا.. ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابًا مرقعًا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه، حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقًا وعطرًا.. فابتسم الرسول وقال:

" لقد رأيت مصعبًا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله"!!

 

وقد حاولت أمه حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه.. وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم، فودعته باكية، وودعها باكيًا..

 

وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن.. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أمّا. اقترب منها وقال:"يا أمّه إني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا اله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله"...

 

أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزري برأيي، ويضعف عقلي"..!!

 

واصبح مصعب الفتى المتأنق المعطّر، لا يرى إلا مرتديًا أخشن الثياب، يأكل يومًا، ويجوع أيامًا، ولكن روحه المتألقة بنور الله والإيمان، كانت قد جعلت منه إنسانًا آخر يملأ الأعين جلالًا والأنفس روعة...

 

وقد اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها، وهي أن يكون سفيره إلى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم..

 

وحمل مصعب الأمانة مستعينًا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجًا..

 

لقد جاءها يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلمًا هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة، وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة، كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفدًا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنًا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم "مصعب بن عمير".

 

لقد نجح أول سفراء الرسول "صلى الله عليه وسلم" نجاحًا منقطع النظير.. نجاحًا هو له أهل، وبه جدير.. فأثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" عرف كيف يختار..

 

المراجع:

سيرة ابن إسحاق - السير والمغازي.

سيرة ابن هشام.

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لابن حبان.


اعلانات