اعلانات

السر في قول الخضر: "فأردت" ثم "فأردنا" ثم "فأراد ربك" في قصته مع موسى

السؤال : في سورة الكهف يقول الله سبحانه وتعالى: "فأردت أن أعيبها" بصيغة المفرد، ثم بعدها: "فخشينا أن يرهقهما" بصيغة الجمع، ثم "فأردنا" بصيغة الجمع، وأخيرًا: "فأراد ربك"، فلماذا جاء التنويع هنا؟ والشيء الأهم والذي حيرني، هي صيغة الجمع: (فخشينا، فأردنا) على لسان الخضر، فلماذا استعمل الخضر هنا صيغة الجمع؟ هل هي تعظيم له أم ماذا؟ وجزاكم الله خير الجزاء.
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فها هنا أمران، أولهما: نسبة الخضر -عليه السلام- خرق السفينة إلى نفسه، بقوله: فأردت، ونسبته قتل الغلام إلى نفسه كذلك بقوله: فخشينا، ثم قوله: فأردنا، وأما بناء الجدار، فقد نسب حكمته إلى الله تعالى بقوله: فأراد ربك، وفي هذا سر لطيف، وهو أن الله تعالى يُتأدب معه، فلا ينسب إليه ما ظاهره الشر، وإن كان الكل بإرادته، فلما كان خرق السفينة، وقتل الغلام مما ظاهره الشر، نسب الخضر إرادة ذلك إلى نفسه، بخلاف بناء الجدار، قال القاسمي: وفيها حسن الأدب مع الله، وأن لا يضاف إليه ما يستهجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره، وخلقه؛ لقول الخضر عن السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها، وعن الجدار: فَأَرادَ رَبُّكَ، ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «والخير بيديك، والشر ليس إليك. انتهى.

وأما الثاني: فهو إخبار الخضر عليه السلام عن نفسه بتاء المتكلم في الأول، وهو خرق السفينة، ثم إخباره عنها بنون العظمة في الثاني، وهو قتل الغلام، وقد جود الشوكاني الكلام في هذا الموضع، كما سيمر بك كلامه، قال صديق حسن خان -رحمه الله- في فتح البيان: (فأراد ربك) أي: مالكك، ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفاً له، وإنما ذكر أولاً: فأردت؛ لأنه إفساد في الظاهر، وهو فعله، وثانياً: فأردنا؛ لأنه إفساد من حيث الفعل، إنعام من حيث التبديل، وثالثاً: فأراد ربك؛ لأنه إنعام محض، وغير مقدور للبشر. اهـ

قال الشوكاني في الفتح الرباني: علم أنه قد وجد في الخضر -عليه السلام- المقتضى للمجيء بنون العظمة؛ لما تفضل الله به عليه من العطايا العظيمة، والمواهب الجسيمة، التي من جملتها العلم، الذي فضله الله به، حين أخبر موسى عليه السلام لما سأله: هل في الأرض أعلم منه؟ فقال: عبدنا خضر، كما هو ثابت في الصحيح، كان هذا وجهًا صحيحًا، ومسوغًا صحيحًا للمجيء بنون العظمة تارة، وعدم المجيء بها أخرى، فقال: فأردت أن أعيبها، وقال: فأردنا، ملاحظًا في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم تحدثاً بنعمة الله سبحانه عليه، وفي الموضع الآخر قاصداً للتواضع، وأنه فرد من أفراد البشر، غير ناظر إلى تلك المزايا، التي اختصه الله بها سبحانه، مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد. ومع هذا؛ ففي تلوين العبارة نوع من الحسن آخر، وهو الافتنان في الكلام، فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً له، كما قيل في نكتة الالتفات، ويمكن أن يقال: إن خرق السفينة لما كان باعتبار تحصيل مسماه أمراً يسيراً، فإنه يحصل بنزع لوح من ألواحها، قال: (فأردت أن أعيبها)، ولما كان القتل مما تتعاظمه النفوس، وتدخل فاعله الروعة العظيمة، نزل منزلة ما لا يقدر عليه إلا جماعة. ويمكن أيضاً وجه ثالث، وهو أن يقال: لما كان خرق السفينة مما يمكن تداركه بأن يرد اللوح الذي نزعه، كان ذلك وجهاً للإفراد؛ لأنه يسير بالنسبة إلى ما لا يمكن تداركه، وهو القتل. وأما قوله: (فأراد ربك)، فوجه نسبة الإرادة إلى الرب سبحانه، أن هذه الإرادة وقعت على قوله: أن يبلغا أشدهما، ومعلوم أن ذلك لا يكون من فعل البشر، ولا بإرادته؛ لأن بقاءهما في الحياة حتى يبلغا الأشد، لا يدخل تحت طاقة البشر ولا يصح نسبته إلى غير الرب عز وجل؛ ولهذا يقول الخضر: (رحمة من ربك وما فعلته عن أمري)، هذا ما خطر بالبال عند الوقوف على هذه الآية، ولم أقف على كلام لأحد من أهل التفسير فيما يتعلق بذلك. انتهى، وهو واف بالمقصود كما ترى.

والله أعلم.

إسلام ويب
اعلانات