اعلانات

عصمة إبراهيم عليه السلام

عصمة إبراهيم عليه السلام

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
صح فى حديث الشفاعة يوم القيامة أن إبراهيم امتنع عنها لأنه كذب على ربه ثلاث مرات ، فما هى هذه الكذبات وكيف يتفق ذلك وهو عصمة الأنبياء ؟

الجواب
روى البخارى ومسلم حديث الشفاعة وطلب الناس من إبراهيم عليه السلام أن يشفع لهم فامتنع وقال" إنى كذبت ثلاث كذبات " وهى قوله عندما سألوه عمن كسر الأصنام {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله عندما نظر فى النجوم {إنى سقيم } وقوله عن زوجته سارة إنها أخته . وأجاب العلماء عن الأولى بأن إبراهيم لم يكذب ، بل أثبت أنه صادق ولكن بطريقة غير مباشرة ، أو كان صدقه قضية تحمل معها دليلها ، فلو كنت أنت مثلا خطاطا ماهرا ولا يجيد الكتابة أحد غيرك ، ثم سألك شخص أمى غير مجيد للكتابة وقال لك : أأنت كتبت هذا ؟ فقلت له باستهزاء : بل أنت الذى كتبته ، فالغرض هو إثبات الكتابة لك مع استهزائك بالسائل الذى ما كان ينبغى أن يوجه هذا السؤال الظاهر البطلان . ولذلك لما أجابهم إبراهيم عليه السلام بأن الذى كسر الأصنام هو كبيرهم رجعوا إلى أنفسهم يتهمونها بالغباء .
لاعتقادهم ألوهية من لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر ، ولا يرد عن نفسه كيدا، ولكن العناد جعلهم يتمادون فى مجادلته وتكذيبه . ولجئوا أخيرا إلى التهديد باستعمال القوة والعنف ، وهو سلاح كل عاجز عن الاستمرار فى المحاجة المنطقية .
وأجابوا عن الثانية وهى قوله : {إنى سقيم } بأنه كان بالفعل سقيما ، وسقمه نفسى، وذلك من تماديهم فى الباطل على الرغم من قوة الحجة، كما قال الله تعالى فى حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} الكهف : 6
 ، فقد أوهمهم إبراهيم أنه سقيم الجسم على ما كانوا يعتقدون من تأثير الكواكب فى الأجسام وهو فى الوقت نفسه سقيم النفس . وهذا الأسلوب من المعاريض التى فيها مندوحة عن الكذب .
وأجابوا عن الثالثة وهى وصف زوجته بأنها أخته - بأنه صادق فى هذا الوصف لأنها أخته فى الدين كما جاء فى صحيح الروايات ، وذلك ليخلصها من ظلم الجبار روى مسلم "ج 15 ص 123 بشرح النووى" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لم يكذب إبراهيم النبى عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات ، ثنتين فى ذات الله : قوله إنى سقيم وقوله بل فعله كبيرهم ، وواحدة فى شأن سارة ، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس ، فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتى يغلبنى عليك ، فإن سألك فأخبريه أنك أختى ، فإنك أختى فى الإسلام ، فإنى لا أعلم فى الأرض مسلما غيرى وغيرك ، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها أن تكون إلا لك . فأرسل إليها فأتى بها ، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها : ادعى الله أن يطلق يدى ولا أضرك ففلعت فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين ، فقال ادعى الله أن يطلق يدى فلك الله ألا أضرك ففعلت وأطلقت يده ودعا الذى جاء بها فقال له : إنما أتينى بشيطان ولم تأتنى بإنسان ، فأخرجها من أرضى وأعطها "هاجر " قال : فأقبلت تمشى فلما رآها إبراهيم عليه السلام انصرف ، فقال لها "مهيم " ؟ قالت : خيرا ، كف الله يد الفاجر وأخدم خادما" قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بنى ماء السماء .
اسم هذا الجبار مذكور فى ص 81 من المجلد الثانى من هذه الموسوعة . ومعنى "مهيم " ما شأنك وما خبرك ؟ ومعنى "أخدم خادما " أعطانى جارية تخدمنى وهى هاجر، والخادم يقع على الذكر والأنثى ، والمراد "بماء السماء" العرب كلهم لخلوص نسبهم وصفائه ، وقيل: لأن أكثرهم أصحاب مواش وعيشهم من المرعى والخصب وما ينبت بماء السماء ، وقيل : المراد بهم الأنصار نسبة إلى جدهم "الأدد" وكان يعرف بماء السماء .
جاء فى شرح النووى لهذا الحديث أن المازرى قال : إن الكذب الذى يعصم منه الأنبياء هو الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى، أما فى غير ذلك ففى إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف ، وذكر أن ما قاله إبراهيم عن سارة تورية وهى جائزة ، وليست كذبا ، ولو كان كذبا لكان جائزا فى دفع الظالمين ، فقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ، وهذا كذب جائز بل واجب لكونه فى دفع الظالم ، ثم نقل عن المازرى قوله : لا مانع من إطلاق الكذب على ما حدث من إبراهيم كما أطلقه النبى صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فالتأويل صحيح لا مانع منه .
ثم حمل قوله {إنى سقيم } على أنه سيسقم لأن الإنسان عرضة للسقم ، وأراد به الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم ، وقيل : سقيم بما قدر على من الموت ، وقيل : كانت تأخذه الحمى فى ذلك الوقت

اعلانات