اعلانات

من أسرار القرآن - جريمة الكذب وكتمان الشهادة

ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم‏ هذا النص القرآني الكريم جاء في ختام الآية رقم(283) من سورة البقرة .
وقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات تحريم الربا ، وآيات الحض علي القرض الحسن, لتفصل الأحكام الخاصة بكل من الدين, والتجارة, والرهن. وهذه كلها من وسائل تنمية المال بالطرق الحلال, ومن ضوابط الاقتصاد الإسلامي.
وهذه الآية الكريمة نزلت في بيع السلم(البيع لأجل) وهي تأمر بكتابة الدين المؤجل, حفظا له مقدارا وميقاتا, علي أن يكتب بين كل من الدائن والمدين شخص ثالث هو كاتب عادل مأمون, يوثق الكتابة بما اتفقوا عليه دون أن يظلم أحد الطرفين. وكل من يستدعي للقيام بهذا الأمر لا يجوز له الامتناع عن الكتابة بما أمر الله( تعالي) من العدل, وعليه أن يكتب ما يمليه عليه المدين بالدقة الواجبة, دون أن ينقص من هذا الحق شيئا, خشية لله وطاعة لأوامره وشكرا لله( تعالي) الذي علمه كيف يكتب. وإن كان المدين غير قادر علي الإملاء بدقة لنقص في العقل, أو في النطق أو في السلوك, أو لصغر في السن, أو لشيخوخة مضيعة, فيملل وليه أو وكيله بالعدل. ولزيادة التوثيق يتطلب الأمر بعد الكتابة شهادة شاهدين من رجال المسلمين, أو من رجل مسلم وامرأتين مسلمتين ممن يوثق بدينهم وعدالتهم. وذلك خشية أن تنسي إحدي الشاهدتين فتذكرها الأخري.
وذلك ليس انتقاصا من قدر النساء وإنما هو تأكيد علي عدم اهتمامهن عادة بأمور المال. وعلي الشهداء ألا يمتنعوا عن أداء الشهادة إذا طلب منهم ذلك لأنها فريضة إسلامية, وليست تطوعا. وتوصي الآية الكريمة بكتابة الدين صغيرا كان أو كبيرا إلي وقت حلول ميعادة, وذلك صونا لحقوق الناس, وأعدل بينهم وتحقيقا لما أمر الله( تعالي) من إثبات الشهادة كي لا تنسي, ونفيا للشك في قدر الدين أو تاريخ سداده.
وتؤكد الآية الكريمة علي أنه لا يجوز أن يمتنع أحد عن الكتابة بالعدل بين المتداينين كما علمه الله, ولا عن الشهادة إذا طلب منه ذلك.
وتستثني الآية الكريمة من كتابة الدين إلي أجله حالة واحدة هي أن يكون البيع حاضرا يدا بيد, والثمن مقبوضا في نفس الوقت, ولكنها توصي بالشهادة في الحالتين, أي في حالتي الدين والمبايعة. ولا يجوز لصاحب الحق أن يضر أيا من الكتاب أو الشهود, أو أن يضرورهم, لأن في ذلك خروج عن طاعة الله( تعالي).
ومن واجبات المسلم تقوي الله( تعالي) والحذر من مخالفة أوامره, فبهذه التقوي يتحقق للإنسان العلم النافع والعلم الصالح, وفيهما سعادة الدارين, لأن الله( تعالي) لا يخفي عن علمه شيء.
ثم تنتقل الآية الكريمة إلي حالة السفر الذي قد لا يتوافر فيه الكاتب أو الشهود, فيكون الرهن المقبوض بواسطة صاحب الحق وثيقة لدينه في حالة التداين إلي أجل مسمي.
ولكن إذا أمن الدائن المدين فاستغني عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه, كان ذلك ملزما للمدين أن يؤدي ما عليه من دين لصاحبه, مراقبا ضرورة أداء الأمانة بكامل حقوقها.
وتختتم الآية الكريمة بالأمر الإلهي الذي يأمر الله( تعالي) فيه عباده بعدم كتمان الشهادة إذا ما دعوا إلي أدائها, لأن في كتمانها ضياعا لحقوق العباد, وانتشارا للفساد, ولذلك اعتبرته الآية الكريمة إثما كبيرا, وركزت هذا الاثم علي القلب لأنه ملك الأعضاء في جسد الإنسان فإذا صلح صلح الجسد كله, وإذا فسد فسد الجسد كله كما أخبر بذلك المصطفي( صلي الله عليه وسلم).
وختام هذه الآية الكريمة يؤكد علي شمول علم الله( تعالي) الذي لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وفي ذلك يقول المصطفي( صلي الله عليه وسلم): علي اليد ما أخذت حتي تؤديه.
وعن ابن عباس( رضي الله عنهما) أنه قال: شهادة الزور من أكبر الكبائر, وكتمانها كذلك.
والأصل في الشهادة أن تكون خالصة لله( تعالي), وأن يكون الهدف منها هو إحقاق الحق, طلبا لمرضاة الله. وللشهادة شروط وأركان, ومن شروطها: الإسلام, والبلوغ, والعقل, والعدالة, والمروءة, وعدم الاتهام بالسفه في السلوك.
أما أركان الشهادة فهي شاهد, ومشهود به, ومشهود له, ومشهود عليه, وصيغة الشهادة.
والشهادة تكون في العقود سواء كانت حقا لله( تعالي) أو لعبد من عباده, مثل ما يطلع عليه الرجال كالزواج, والطلاق, والرجعة, والشهادة فيها لرجلين من العدول. ومن العقود ما يتعلق بالأمور الاقتصادية كعقود الإجارة, والتجارة, وغير ذلك من عقود المنافع المادية, ويشهد فيها رجلان أو رجل وامرأتان, من العدول.
ومن أمور الشهادة ما لا يقبل فيها إلا أربعة شهود من الرجال وذلك كالشهادة علي جريمة الزنا.
ومنها ما لا يقبل فيه إلا رجلان, أو رجل وامرأتان, أو أربع نسوة منفردات وذلك فيما يتعلق بخصوصيات المرأة وأحوالها الصحية. والشهادة في حياة الناس تدخل في جميع نشاطاتهم السلوكية والقضائية, والاقتصادية, والاجتماعية, والسياسية, والإعلامية, وغيرها.
والذي لا يتحري الدقة المتناهية, والأمانة المطلقة فيما يؤديه من شهادات فإنه يدخل نفسه في دائرة شاهد الزور الذي يدخله رسول الله( صلي الله عليه وسلم) في دائرة أكبر الكبائر, ويساويه بالذي أشرك بربه, والذي عق والديه فيقول: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلي يا رسول الله! قال: الإشراك بالله, وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور, وشهادة الزور فما زال يكررها, حتي قلنا: ليته سكت, وذلك إشفاقا عليه من شدة الغضب علي كل من قائل الزور وشاهده.
وتنطبق شهادة الزور علي الكذب في الإعلام بصورة فجة في زمن الفتن الذي نعيشه, وعلي مخالفة الضمير في عمليات الانتخاب المختلفة أو الاستفتاء علي الدستور, كما ينطبق علي أكل أموال الناس بالباطل بمختلف صور التحايل المستتر والخفي, وعلي كتمان شهادة الحق في مختلف مراحل التحقيق والدفاع, والقضاء, وعلي الانحياز إلي الظلمة من أعدء الإسلام في الداخل والخارج.
وهنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في كتاب الله ألا وهو تحريم كتم الشهادة أو تزويرها, بل جعلها صورة من صور التعبد لله,
وقد سبق القرآن الكريم بهذا التشريع كل التشريعات المدنية بأكثر من عشرة قرون, وجاء في صياغة معجزة, وإيحاء إلي النفس الإنسانية يضعها أمام مسئولياتها بدقة وأمانة طلبا لمرضاة الله, وتحقيقا للعدل بين الناس.
الأهرام الإلكترونى
اعلانات