اعلانات

(لا ضرر ولا ضرار) إعجاز في الشريعة

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام ومبادئ من شأنها أن تحقق للأفراد والمجتمعات السعادة المنشودة.
 
فعن أبي سَعِيدٍ سَعْدِ بنِ مَالِك بنِ سِنَانٍ الخُدْريِّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ).
 
وهذا الحديث حديث عظيم في تقرير هذا الأصل الكبير، فهو مشتمل على كلمات يسيرة المباني، ولكنها عظيمة المعاني، وهو من جوامع كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مشتمل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي رفع الضرر والضرار، وهو خبر بمعنى النهي، أي: النهي عن الضرر والضرار.
 
وهذا النفي منصب على جهتين: جهة الشرع، وجهة المكلف.
 
أما جهة الشرع: فإن الشريعة لم يأت فيها عبادة يحصل بها للمرء ضرر، بل إذا وجد الضرر جاء التخفيف.
 
فمثلا: المريض يصلي قائمًا؛ فإن تضرر بالقيام صلى قاعدًا.
 
ويتطهر بالماء؛ فإن كان الماء يضره، ينتقل منه إلى التراب.
 
وفي هذا يقول الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، [الحج:] 78، وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم}. [النساء: 28].
 
والجهة الثانية: جهة المكلَّف: فالمكلَّف لا يسعى في شيء فيه ضرر ولا ضرار؛ لأن الله جل وعلا نفى وجود الضرر شرعًا بقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ).
 
والمراد هنا ثلاثة أمور:
 
الأول: إلحاق المكلف الضرر بنفسه: وهذا محرم، سواء كان ذلك بأكل أو شرب، أو بدخان، أو مسكر، أو بالامتناع عن الدواء، أو غير ذلك مما يعود على الإنسان بالضرر والأذى، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29].
 
الثاني: إلحاق الإنسان مفسدة بغيره ابتداءً: وذلك كأن يكسر له بابًا، أو يسلب ماله، أو يؤذيه بقول، أو فعل، أو يمنعه حقًا من حقوقه، ونحو ذلك.
 
مع ملاحظة أن يكون ذلك على وجه الاعتداء، وبدون سبب من الطرف الآخر.
 
ولا شك أن هذا من الظلم البين، وذلك كالإضرار بالوصية بأن يوصي وصية يريد بها الإضرار بالورثة، قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء:12]، ومنه أيضًا الإضرار بالزوجة، كما قال تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) [البقرة:231].
 
فالواجب على المسلم ألا يحصل منه ضرر ولا ضرار لغيره، بل يحرص على ألا يحصل الضرر منه لا بقصد ولا بغير قصد:
 
فمن الأشياء التي يحصل الضرر بها من غير قصد أن يكون الإنسان عنده -مثلاً- شجر يسقيه، فيتسرب الماء من تحت الجدار إلى الجار فيتضرر به الجار، ففاعله ما كان يدري بهذا الضرر الذي قد حصل وما كان يقصده، فهو ضرر من غير قصد.
 
فإن علم به ولم يسع إلى إزالته فحينئذٍ يكون الضرر بقصد؛ وهو على كل حال يُطالب بإزالة الضرر عن جاره، لقاعدة: الضرر يزال.
 
وهذا للأسف مما يقع كثيرًا بين الجيران في زماننا، فنرى كثيرًا من المسلمين يتفننون في الأساليب التي يؤذون بها جيرانهم، وذلك من غير معرفة بخطورة ذلك في الشريعة، وكون الإثم على ذلك يكون عظيمًا؛ فإن الشريعة فيها أخبار كثيرة جدًا توصي بالجار، وتحث على إكرامه، وتنهى عن إيذائه بأي لون من ألوان الإيذاء.
 
الثالث: إلحاق الإنسان مفسدة بمن أضرَّ به على سبيل المجازاة على وجه غير جائز: وهذا مما عمت به البلوى قديمًا وحديثًا؛ وتعم بسببه الفوضى، ومنه على سبيل المثال ما يُعرف بـ "الثأر"، فإذا حدث اعتداء من أحد الناس، فأصاب دمًا حرامًا، ونتج عنه قتل إنسان بريء؛ سارع أولياء القتيل إلى "الثأر" بقتل القاتل، وربما قتلوا معه غيره من أقاربه، فيكثر قتل الأبرياء من الطرفين، مما يكون سببًا في فقد الأمن والأمان، وإراقة الدماء المعصومة، وهدم للبيوت، وتشريد للأطفال، وغير ذلك من المفاسد العظيمة، وهذا ممنوع في الشريعة؛ فأولياء الدم عليهم اللجوء للطرق المشروعة لحفظ حقهم، وحق قتيلهم المظلوم، أو العفو وأخذ الدية، أو العفو بلا دية، وما سوى ذلك ففيه نشر للفوضى والفساد في المجتمع، وهذا ما نهت عنه الشريعة.
 
ومازال الناس إلى وقتنا هذا يشكون من تبعات هذا الأمر، وتطالعنا الأخبار بين الحين والآخر بأشياء من هذا القبيل، مما يبين لنا أن الأمر يحتاج إلى مجهودات المخلصين من العلماء والحكماء لإزالة هذا الداء من مجتمعاتنا.
 
المصدر: شروح الأربعين النووية.

اعلانات