اعلانات

تفسير قوله تعالى " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا "

الشياطين كانوا قبل مجيء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض. . وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من الملائكةِ وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب والخرافات. . فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل. . ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} سورة الأنعام .
وكان الشياطين قبل نزول القرآن يستقرون السمع، ولكن عند بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إمتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين خرافاتهم في منهج
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو في القرآن. . ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} سورة الجن .
أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه.
. ولكن عند نزول القرآن أرسل الله سبحانه وتعالى الشهب وهي النجوم المحترقة فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل عليهم شهاب يحرقهم. . ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهابا يحترق في السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين. . كأن المسألة في أذهان الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين. . الذي هو الشيطان.
واقرأ قوله تبارك وتعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} سورة الجن .
{وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} سورة الجن .
أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع. . ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟ . . أنظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء} . . كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم حتى كادوا يلمسونها. . فالله تبارك وتعالى في هذه الحالة وهي اتباع اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء التي تضر ولا تفيد أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله. . فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} . .
وكان المنطق يقتضي أن يخص الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه. . ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن
سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ} .
إذن الشياطين هم الذين نشروا الكفر. . وكيف كفر الشياطينُ وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟ . . يقول الله سبحانه وتعالى: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} .
ما قصة كل هذا؟ . . اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة. . سليمان عليه السلام حين جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من بعده. . واقرأ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي إِنَّكَ أَنتَ الوهاب فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد} سورة ص .
وهكذا أعطى سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك. . حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه. . وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس. . وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس. . فأراد الله سبحانه وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر. . قال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر} .

المصدر : تفسير الشيخ الشعراوي رحمه الله
اعلانات