اعلانات

اللحظات الأخيرة في حياة أبي طالب عم الرسول

عندما جاءت لحظة موت أبي طالب علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسرع متلهفا إلى دار عمه، وكله أمل أن يستجيب عمه لدعوته في لحظاته الأخيرة في الدنيا، فيكون سببا لدخوله الجنة ونجاته من النار!

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي علم باقتراب لحظة موت أبي طالب، إنما علم بذلك – أيضا – شيطان مكة أبو جهل!

فعن سعيد بن المسيب عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ».

فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113]، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[القصص: 56][1].

هذه نهاية مأساوية وعجيبة حقا؛ فقد توفرت كل أسباب الإيمان لأبي طالب ثم لم يؤمن!!

 إنَّه كان يحبُّ أباه عبد المطلب، وأجداده هاشمًا وعبد مناف حبًّا قبليًّا طاغيًا أغلق قلبه تمامًا عن قبول الحقيقة! وهذا كان مرضًا متفشِّيًا في العرب منع كثيرًا منهم من الإيمان؛ لأن إيمان أبي طالب هنا يعني أنَّ عبد المطلب وآباءه كانوا مخطئين.

والحقُّ أن هذه كانت أزمة كبيرة تشغل مساحة ضخمة من عقول العرب؛ وقد قال الله فيها ينقل قول المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].

لكن قبل أن نصف الكلام بالقسوة لا بُدَّ من النظر إلى نقطتين:

الأولى فهي أنَّه على الرغم من كلِّ ما قدَّم أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه ارتكب أعظم الذنوب مطلقًا، وهو ذنب الشرك بالله؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ..»[2]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

والثانية فهي أنَّ هناك نصوصًا كثيرة تُثبت أنَّ أبا طالب من أهل النار؛ فقد أمر اللهُ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يستغفر لأبي طالب تحديدًا لأنَّه من أصحاب الجحيم، فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، ومع ذلك فقد شفع له عند الله أن يُخَفِّف عنه العذاب لكونه كان ناصرًا له طَوَال عمره، فاستجاب الله لشفاعته وخفَّف عنه؛ فقد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ»[3].

[1] البخاري: كتاب التفسير، سورة القصص (4494)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب أول الإيمان قول: لا إله إلا الله

[2] البخاري: كتاب التفسير، سورة البقرة (4207)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (86).

[3] مسلم: كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا (212)، وأحمد (2636).

د.راغب السرجاني: قصة وفاة أبي طالب .. مواقف وتحليلات

اعلانات