اعلانات

أبشع أيام مرت بها بغداد

أيام نحسات مرت بها بغداد..

كان ذلك بعد سقوطها في يد الهمجيين التتار عام 1258م فبعد أن ألقى أهل المدينة السلاح بطلب من هولاكو للخليفة العباسي وبعد أن قتل كبار رجال الدولة وأبناء الخليفة وعلماء وشيوخ بغداد أصدر السفاح هولاكو أمره الشنيع باستباحة بغداد والأمر بالاستباحة يعني أن الجيش التتري يفعل فيها ما يشاء.

بدأ التتار يتعقبون المسلمين في بغداد بكل مكان فكان المسلمون يهربون ويغلقون على أنفسهم الأبواب، فيحرق التتار الأبوب أو يقتلعونها، ويدخلون عليهم، فيهرب المسلمون إلى أسطح الديار، فيصعد وراءهم التتار، ثم يقتلونهم على الأسطح، حتى سالت الدماء بكثرة من ميازيب المدينة.

ولم يقتصر التتار على قتل الرجال الأقوياء فقط.. إنما كانوا يقتلون الكهول والشيوخ، وكانوا يقتلون النساء بل وكانوا يقتلون الأطفال حتى الرضّع!

واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يومًا كاملة.. وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون البلدة.

وبعد الأربعين يومًا خاف هولاكو على جيشه من انتشار الأوبئة نتيجة الجثث المتعفنة؛ فأمر السفاح هولاكو جيشه بالخروج من بغداد، وينتقل إلى بلد آخر في شمال العراق، لكي لا يصاب الجيش بالأمراض والأوبئة، وتترك حامية تترية صغيرة حول بغداد.

ثم أعلن في بغداد الأمان فلا يقتل مسلم بصورة عشوائية بعد هذه الأربعين يومًا.. وقد سمح التتار بهذا الأمان حتى يخرج المسلمون من مخابئهم ليقوموا بدفن موتاهم.. وهذا عمل شاق جدًّا يحتاج إلى فترات طويلة، وإذا لم يتم هذا العمل فقد يتغير الجو- ليس في بغداد فقط – ولكن في كل بلاد العراق والشام، وستنتشر الأمراض القاتلة في كل مكان.

 وفعلًا خرج المسلمون الذين كانوا يختفون في الخنادق أو في المقابر أو في الآبار المهجورة.. خرجوا وقد تغيرت هيئتهم.

لقد خرج كل واحد منهم ليفتش في الجثث، وليستخرج من بين التلال المتعفنة ابنًا له أو أخًا أو أبًا أو أمًا!

وبدأ المسلمون في دفن موتاهم.. ولكن كما توقع هولاكو انتشرت الأوبئة في بغداد بشكل مريع، حتى مات من المسلمين عدد هائل من الأمراض القاتلة! وكما قال ابن كثير: «ومن نجا من الطعن، لم ينج من الطاعون!».

د.راغب السرجاني – قصة التتار
اعلانات