اعلانات

ما الذي يوزن في الميزان يوم القيامة ؟ ومن الذين لا ينصب لهم ميزان ؟

لقد اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على ثلاثة أقوال.


القول الأول:

إن الذي يوزن في الميزان هو الأعمال ذاتها، أي أعمال العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وبر وصدقة وغير ذلك من الطيبات الصالحات.

 

ولكن رفض البعض وقالوا: هذه الأعمال أعراض لا أجسام، والأعراض لا توزن ولا توضع في الميزان، فكيف توزن الصلاة وهي ليست حجماً؟! وكيف توزن الزكاة وهي كذلك؟! فكيف تقولون بأن الأعمال هي التي توزن يوم القيامة؟

 

والجواب: أن الله جل وعلا يوم القيامة يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان يخف الميزان ويثقل بحسب الحسنات والسيئات.

 

والأدلة على ذلك من السنة الصحيحة كثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".[1]

 

وكذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان من حديث أبى الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق".[2]

 

فحسن الخلق أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة، بل وأخبرنا الصادق المصدوق، أن القرآن الكريم يأتي يوم القيامة ليقف أمام العبد بين يدي الله جل وعلا على هيئه غمامة، أي على هيئه ظلة على رأس العبد يوم القيامة، ليشفع له أمام اللـه، بل ويحاج القرآن عن العبد بين يدي الحق تبارك وتعالى، يقول المصطفي صلى الله عليه وسلم: "يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان[3] وبينهما شرف أو كأنهما غمامتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما ظلة من طير صواف[4] تحاجان عن صاحبهما"[5]، أي بين يدي الله جل وعلا.

كل هذه أدلة من السنة الصحيحة على أن الأعراض تتحول يوم القيامة إلى أجسام.

 

القول الثاني:

قالوا: بل إن الذي يوزن في الميزان هو العامل وليس الأعمال.

واستدل أصحاب هذا القول بأدلة صحيحة كذلك منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضه، وقال: اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا".[6]

 

وكذلك ما روى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه: " صعد ابن مسعود رضي الله عنه يوماً على شجرة أراك يجني سواكاً فجعلت الريح تكفأه فضحك القوم، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: مما تضحكون؟ قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله فقال المصطفي: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد.[7]

 

فالموازين إذا وضع فيها العباد لا تخف ولا تثقل بحسب ضخامة الأبدان وكثرة الشحم والدهن إنما تخف وتثقل بحسب الحسنات والسيئات.

 

القول الثالث:

قالوا بل إن الذي يوزن في ميزان العبد يوم القيامة هو الصحف.

واستدلوا على ذلك أيضا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعه وتسعون سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يا رب فيقول الله جل وعلا: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول اللـه، فيقول: احضروه، فيقول: يا رب ما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، فوضعت السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شيء".[8]

 

وهذا ما استدل به أصحاب الرأي الثالث. لكن ما هو القول الراجح من هذه الأقوال؟

يقول العلماء: أن الأعمال والعامل والصحف كل ذلك يوضع في الميزان يوزن العامل بأعماله وبصحفه.

 

ويبدأ وزن الأعمال:

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتى الميزان ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق..... سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خف ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق..... شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، [9] وهناك أناس من أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم يأتون بحسنات أمثال الجبال لكنها لا تثقل الميزان ولا تؤثر فيه أتدرى لماذا؟ لأنهم كانوا إذا عرض عليهم درهم حرام وَثبُوا عليه كالذئاب فأحبط الله أعمالهم بذلك ولم يتقبل منهم حسنة واحدة وعنهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأعلمنّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.[10]

 

أهل البلاء لا ينصب لهم ميزان:

يؤتى بأهل البلاء، الذين صبروا على بلائهم، ورضوا بقضاء ربهم، فلا ينصب لهم ميزان، ولا ينصب لهم ديوان، فيصب عليهم الأجر صبا، حتى إن أهل العافية، ليتمنون في الموقف، أن أجسادهم قرضت بالمقاريض، من حسن ثواب الله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " ليودَّن أهل العافية يوم القيامة، أن جلودهم قرضت بالمقاريض بما يرون من ثواب أهل البلاء [11]. أي يتمنى أصحاب الصحة والنّعيم حينما يرون ما أعده الله يوم القيامة للمرضى وأصحاب البلاء، لو قطعت جلودهم بآلات القطع والحدادة، حتى ينالوا الأجر مثلهم يقول الله تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ ﴾.[12]



[1] رواه البخاري رقم (6406)، ومسلم رقم (2694).

[2] رواه الترمذي رقم(2003، 2004)، وأبو داود رقم (4799)، وهو في صحيح الجامع رقم(5721).

[3] الغياية: كل شيء أظل الإنسان وغيره من فوق، وهى كالسحابة.

[4] صواف: جمع صافة، وهى التي تصف أجنحتها عند الطيران.

[5] رواه مسلم رقم (805) والترمذي رقم (2886).

[6] رواه البخاري رقم ( 4729)، ومسلم رقم (2785).

[7] رواه أحمد في المسند رقم (920) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.

[8] رواه الترمذي رقم (2641) في الإيمان، باب ما جاء في من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة رقم (135).

[9] رواه البزار والبيهقى عن أنس الترغيب والترهيب (جـ4 ص 425).

[10] رواه ابن ماجة عن ثوبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (5028).

[11] رواه الترمذي والضياء عن جابر وصححه الألباني في صحيح الجامع (5484).

[12] الآية 96 من سورة النحل.
اعلانات