اعلانات

قصة مجاهد لم يهزم أبدا

تولَّى محمد بن أبي عامر الحُكم في الأندلس منذ سنة (366هـ= 976م) وحتى وفاته – رحمه الله – في سنة (392هـ= 1002م)، وقد قضى هذه المدَّة في جهاد دائم لا ينقطع مع ممالك النصارى في الشمال.

غزا محمد بن أبي عامر في حياته أربعًا وخمسين غزوة، لم يُهزم أبدًا في واحدة منها، بل كان الأغرب من ذلك هو أن يصل في فتوحاته إلى أماكن في مملكة ليون – شمال إسبانيا-  وفي بلاد النصارى لم يصل إليها أحدٌ من قبلُ؛ فقد وصل الحاجب المنصور إلى منطقة الصخرة؛ تلك المنطقة التي لم تُفتح من قِبَل المسلمين من قبلُ، واستطاع –رحمه الله- أن يغزو النصارى في عقر دارهم، ووصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلسي في الشمال.

وكان من المتعارف عليه قبل ذلك أن الغزو في الصيف فقط، إلاَّ أن الحاجب المنصور كانت له في كل عام مرتان في الصيف والشتاء يخرج فيهما للجهاد في سبيل الله، عُرفت المرتان باسم الصوائف والشواتي.

كانت أعظم هذه الغزوات قاطبة غزوة “شانت ياقب”، وشانت ياقب هو النطق العربي في ذلك الوقت لـ”سانت يعقوب” أي القديس يعقوب، وكانت هذه المدينة في أقصى الشمال الغربي بالأندلس، وهي منطقة كانت بعيدة وشديدة الوعورة؛ ولذلك لم يصل إليها فاتح مسلم قبل المنصور بن أبي عامر، هذا بالإضافة إلى أن هذه المدينة على وجه التحديد كانت مقدسة عند النصارى، فكانوا يأتونها من كل مكان ليزوروا قبر القديس.

وكان نصارى الشمال كلما هاجم ابن أبي عامر عواصمهم فروا إلى هذه المنطقة البعيدة؛ للاحتماء بها؛ ولهذا قرَّر ابن أبي عامر أن يذهب إلى هذه المدينة، وأن يحطم أسوارها وحصونها.

وبالفعل في غزوته الثامنة والأربعين الصيفية قاد ابن أبي عامر قواته متجهًا بها نحو الشمال قاصدًا شانت ياقب، واستطاع أن يفتح كل الحصون والبلاد التي في طريقه، وغنم منها، حتى وصل ابن أبي عامر إلى مدينة شانت ياقب.

وورد عنه أنه سَيَّر جيشًا كاملاً لإنقاذ ثلاث مسلمات كنَّ أسيرات لدى مملكة نافار؛ ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد؛ وكان من شروطه ألاَّ يأسروا أحدًا من المسلمين وقد علم أحد رسل الحاجب المنصور بوجود ثلاث نساء في مملكة النصارى وهنا غضب رسول المنصور غضبًا شديدًا، وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلاَّ أن سيَّر جيشًا جرارًا لإنقاذ النسوة وبالفعل عاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه النسوة الثلاث.

وكان من عادة الحاجب المنصور – رحمه الله – في جهاده وبعد كل معركة أن ينفض ثوبه، ويأخذ ما يخرج منه من غبار ويضعه في قارورة، ثم أمر في نهاية حياته أن تُدفن معه هذه القارورة؛ وذلك حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده.


د.راغب السرجاني: المنصور ابن أبي عامر .. المجاهد الذي لا يهزم
اعلانات