اعلانات

هل فى الدين ما ينظم الزيارة لتلافى الإحراج من رفضها؟

المفتي عطية صقر.
مايو 1997

السؤال : فى بعضى الأحيان يأتى لزيارتى إنسان فى وقت أكون فيه محتاجا للراحة أو مشغولا بعمل هام وتنتابنا الحيرة بين السماح بالزيارة بما فيها من تعب لى بين الاعتذار الذى قد يجرنى إلى انتحال مبرر غير صحيح، فهل فى الدين ما ينظم الزيارة لتلافى هذا الإحراج؟

الجواب : من المعلوم أن زيارة الأخ لأخيه مستحبة لتقوية رابطة الأخوة، وتتأكد إن كانت معها مجاملة فى فرح أو عيادة فى مرض أو عزاء فى موت. روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلا زار أخًا له فى قرية فأرصد الله تعالى على مدرجته - طريقه - ملكا، فلما أتى عليه قال:
أين تريد؟ قال: أريد أخًا لى فى هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبّها؟ -تقوم بها وتسعى فى صلاحها-قال: لا، غير أنى أحببته فى الله، قال: فإنى رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته ". وروى ابن ماجه والترمذى وحسَّنه قوله صلى الله عليه وسلم " من عاد مريضا أو زار أخًا له فى الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ".
وحتى تكون الزيارة محققة لغرضها وضع الإسلام لها ادابًا منها:
1 - الاطمئنان على تقبل المزور لهذه الزيارة، وذلك بتحديد موعد لها عن طريق المسرة أو طريق اَخر، حتى يستعد لها المزور، بتنظيم مواعيد عمله، وإعداد ما يلزم للمقابلة، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} النور: 27 قال بعض العلماء: المراد بالاستئناس هو الاستئذان فى الزيارة قبل الذهاب بوقت كاف لعمل اللازم لها، وقال بعض آخر: المراد به الاستئذان وهو واقف أمام البيت.
2 - الاستئذان فى دخول البيت عند المفاجأة بالزيارة أو عدم الاستعداد للاستقبال، ويكون الاستئذان بوسائل تختلف باختلاف البيئات والعصور، كدق الباب بالإصبع أو دق الناقوس الكهربائى أو التنحنح أو الكلام أو إلقاء السلام أو غير ذلك. وكانت وسيلة الاستئذان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم هى قول: السلام عليكم، أأدخل، فإن أذن له دخل وإلا رجع، قال تعالى {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} النور: 28 وروى البخارى ومسلم فى ذلك حديثا هو " الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل " وروى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلا من بنى عامر استأذن على النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى بيت، فقال: ألِج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه:
اخرج إلى هذا فعلَّمه الاستئذان، فقل له قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل فقال ذلك فأذن له النبى صلى الله عليه وسلم فدخل.
يقول النووى فى الأذكار لا ص 259 ": وهذا الذى ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح، وذكر الماوردى فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثانى تقديم الاستئذان على السلام، والثالث - وهو اختياره -إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدم الاستئذان. وإذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمع فهل يزيد عليها؟ حكى الإمام أبو بكر بن العربى المالكى فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثانى: لايعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده. قال: والأصح أنه لا يعيده بحال. وهذا الذى صححه هو الذى تقتضيه السنة.
3-من السنة ألا يقف الزائر أمام الباب مباشرة حتى لا تقع عينه على ما لا ينبغى أن يرى فالذى فى داخل البيوت هو من الأسرار التى لايحب أحد أن يطلع عليها الغير.
4 -إذا استأذن الزائر بالسلام أو دق الباب وقيل له: من أنت؟ ينبغى أن يسمى نفسه بوضوح ليقرر المزور ما يريد، ويكره أن يقول " أنا" فقط، أو أحد المحبين وما أشبه ذلك. روى البخارى ومسلم فى حديث الإسراء المشهور أن جبريل عليه السلام لما صعد إلى السماء الدنيا واستفتح أى طلب الفتح للدخول قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، وفى كل سماء كان يحصل هذا يقول الشراح: قول الملائكة لجبريل: ومن معك؟ يشعر بأنهم أحسوا أن معه أحدا غيره، وإلا لكان السؤال: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوى بزيارة الأنوار. .
وروى البخارى ومسلم أن جابرا رضى الله عنه أتى لزيارة النبى صلى الله عليه وسلم فدق الباب فقال الرسول " من ذا " فقال: أنا أنا،فقال الرسول: " أنا أنا " كأنه كرهها. ولا بأس أن يصف الزائر نفسه بما يعرف به إذا لم يعرفه المخاطب بغيره.
5 -تحين الوقت المناسب للزيارة، فلا تكون مبكرة فى الصباح مثلا، أو فى وقت الراحة ظهرا، أو بعد ساعات طويلة من الليل، والناس يختلفون فى تعيين الأوقات التى لا تستحب فيها الزيارة، وذلك باختلاف البيئات والظروف، وفى صحيح مسلم بشرح النووى "ج 6 ص 106 " زيارة جماعة لابن مسعود بعد صلاة الفجر وهو مستغرق فى التلاوة حتى بعد طلوع الشمس.
6 - الإقلال من الزيارة بعدم تكرارها قبل مرور وقت تشتاق فيه النفوس إليها، وقد روى حديث يقول " زر غِبًّا تزدد حبا" رواه الطبرانى عن عبد الله بن عمرو، ورواه البزار عن أبى هريرة، ثم قال: لا يعلم فيه حديث صحيح. يقول الحافظ المنذرى: وهذا الحديث قد روى عن جماعة من الصحابة، وقد اعتنى غير واحد من الحفاظ بجمع طرقه والكلام عليها، ولم أقف له على طريق صحيح كما قال البزار، بل له أسانيد حسان عند الطبرانى وغيره.
7 -تقليل زمن الزيارة ومراعاة ظروف المزور حتى لايمل من الزائرين، وبخاصة إذا كان مريضا أو مشغولا بأمور هامة وجاءت الزيارة مفاجئة لم يسبقها استعداد، والقران الكريم ينهى عن ذلك بما حدث من المدعوين لوليمة بمناسبة زواج النبى صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضى الله عنها قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إِناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحق} الأحزاب: 53.
8-إذا لم يكن المزور موجودا فى بيته ينبغى ألا يدخل الزائرون حتى لو كانوا أقارب للزوجة، فقد كره أبو بكر ذلك عندما حضر فوجد جماعة من بنى هاشم دخلوا على أسماء بنت عُميس ولم يرإلا خيرا، وشكا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فأكد له براءتها ثم خطب على المنبر وقال "لايدخلن رجل بعد يومى هذا على مُغيَبة إلا ومعه رجل أو اثنان " والمغيبة هى التى غاب زوجها عن المنزل رواه مسلم لاج 14 ص 9 -ومن السنة أن يجلس الزائر فى المكان الذى يختاره له صاحب البيت، ولا يتمسك بمكان معين قد يطلع منه على بعض ما لايحب صاحب البيت أن يطلع عليه أحد!

اعلانات