اعلانات

ما حكم البكاء على الميت وهل صحيح أنه يعذب بالبكاء عليه

المفتي عطية صقر .. مايو 1997

السؤال : ما حكم البكاء على الميت، وهل صحيح أنه يعذب بالبكاء عليه؟

الجواب : لقد أمرنا الله بالصبر والرضا بقضائه عند وقوع أى مكروه، كما قال تعالى {وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} البقرة: 155-157.
وحرم كل قول أو فعل يتنافى مع الإِيمان بالله فيما قضاه وقدره، فقد صح فيما رواه البخارى ومسلم " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" والمعنى أنه ليس بمؤمن من فعل ذلك معتقدا أنه حلال. أما من فعله على أنه حرام فهو مؤمن عاص ناقص الإِيمان. وجاء فى تأثر الميت بمظاهر الحزن عليه التى لا يقرها الدين قوله صلى الله عليه وسلم "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه:
هكذا أنت"؟ رواه ابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن، واللهز هو الدفع فى الصدر بجميع اليد. وقوله " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفى رواية "يعذب بما نيح عليه".
يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج 6 ص 228": اختلف العلماء فى تأويل الأحاديث التى وردت بتعذيب الميت بما نيح عليه، فحملها الجمهور على من وصَّى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم، لأنه بسببه ومنسوب إليه. فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب، لقول الله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فاطر: 18 وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله * وشُقِّى علىَّ الجيب يا ابنة معبد وقيل: إن الميت يعذب، أى يتألم بسبب بكائهم عليه وكان يحب لهم ألا يبكوا، وإليه ذهب محمد بن جرير الطبرى. وقال عياض: هو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم " والمراد بذلك كله ليس مجرد البكاء ولكن النياحة.
وقال النووى فى كتابه " الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" ص 148: روينا فى صحيحيهما - أى البخارى ومسلم - عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. قلت: الصالقة التى ترفع صوتها بالنياحة، والحالقة التى تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التى تشق ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتفاق العلماء.
وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاء بالويل، وروينا فى صحيحيهما عن أم عطية رضى الله عنها قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البيعة ألا ننوح، وروينا فى صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم " اثنتان فى الناس هما بهم كفر، الطعن فى النسب والنياحة على الميت " وفى سنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة. والنياحة هى رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه.
ثم قال النووى: قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط فى البكاء، وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام.
فقد روينا فى صحيحى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال "ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم" وأشار إلى لسانه. وروينا فى صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن ابنته وهو فى الموت ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " هذه رحمة جعلها الله تعالى فى قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء" وفى صحيح البخارى أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم - فى دار ظئره المرضع - أبى سيف القين أى الحداد - وهو يجود بنفسه، أى يحتضر، فجعلت عينا الرسول صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال " يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
وأما الأحاديث الصحيحة أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هى مؤولة، واختلف العلماء فى تأويلها على أقوال، أظهرها - والله أعلم - أنها محمولة على أن يكون له سبب فى البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به أو غير ذلك. وقد جمعت كل ذلك أو معظمه فى كتاب الجنائز من شرح المهذب.
قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، للحديث الصحيح "فبذا وجبت فلا تبكين باكية" وقد نص الشافعى رحمه الله والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهية تنزيه ولا يحرم، وتأولوا حديث " فلا تبكين باكية" على الكراهة. انتهى ملخصا من الأذكار.
من هذا نعلم:
1- أن الصبر على المكاره ومنها الموت مطلوب.
2- مظاهر الجزع والسخط على القضاء ممنوعة، من استحلها كفر، ومن لم يستحلها كان عاصيا.
3- الميت إذا أوصى بالحزن الخارج عن الحدود يناله نصيب من المسئولية، وإن لم يوص لا يعذب بذلك، ولكن كان يود ألا تقع منهم هذه المظاهر.
4- أن مجرد البكاء على الميت مسموح به طبعا وشرعا، فهو رحمة فى قلوب الرحماء، والرسول عليه الصلاة والسلام جرت عليه هذه السنة الطبيعية، فبكى محتفظا بإيمانه ورضائه بالقضاء.
5- إذا صحب البكاء قول أو فعل يتنافى مع الإيمان بقضاء الله كان معصية.
وبناء على جواز البكاء بدون مظاهر الجزع ماذا نقول فيما رواه البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يَحْثُوَ التراب فى أفواه النساء وهن يبكين جعفر بن أبى طالب؟ والجواب أن ابن الأثير أورد هذا الخبر فى كتابه " أسد الغابة " وذكر معه أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل على امرأة جعفر، وهى أسماء بنت عميس، فعزاها، ودخلت فاطمة وهى تبكى فقال "على مثل جعفر فلتبك البواكى" ثم وفق ابن الأثير بين الخبر المانع للبكاء والخبر المبيح له، بأن المنع كان لنسوة يبكين مع ندب ونياحة ولطم خدود، والإِباحة كانت للبكاء المجرد عن ذلك. وجاء التوضيح فى رواية أحمد عندما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال له " مهلا يا عمر ثم قال " إياكن ونعيق الشيطان " ثم قال " إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان "

اعلانات