اعلانات

هل الأفضل للانسان أن يبادر بالنوم بعد صلاة العشاء، أم يتأخر فى النوم؟

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997
السؤال : هل الأفضل للانسان أن يبادر بالنوم بعد صلاة العشاء، أم يتأخر فى النوم؟

الجواب يقول الله سبحانه {هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} يونس:67 ويقول {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} القصص: 73.
من رحمة الله تعالى بعباده وتنظيما لنشاطهم وإتقانا لأعمالهم جعل الظلمات بالليل والنور بالنهار، ليكون النهار بما فيه من نور قوى مساعدًا على كسب العيش وأداء الواجب لعمارة الكون، وليكون الليل بما فيه من نور ضعيف مساعدًا على الراحة من عناء العمل بالنهار، وجعل اكثر العبادات التى يتقرب بها إليه فى فترة النهار وحاشيتيه، فالصيام من الفجر إلى غروب الشمس، والصلوات من الفجر إلى ما بعد الغروب بقليل يصلى الإنسان العشاء ليكون على صلة بربه عند شروعه فى النوم وعند استيقاظه منه.
والنوم من نعم الله تعالى على الإنسان من أجل راحة جسمه المتعب ومن أجل تجديد نشاطه ليستأنف العمل بالنهار.
من أجل هذا أرشد الإسلام إلى المبادرة بالنوم يعد صلا العشاء، وكره تضييع فترة الليل فيما لا يفيد خيرا، ما دامت لا توجد ضرورة ولا حاجة تدعو إلى السهر، كالذين توكل إليهم الحراسة بالليل من أجل المصلحة العامة أو يذاكرون العلم أو تحتم عليهم ظروف العيش أن يكون عملهم بالليل وفى ذلك جاء الحديث الشريف " عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله " رواه الترمذى وقال: حديث حسن غريب، أى رواه راو واحد فقط.
فحراسة الجيش فى الجهاد وحراسة الأمن بالليل من الأمور الضرورية، والعين التى تبكى من خشية الله هى التى تقوم بعض الليل بالصلاة والذكر فى ساعة الهدوء الذى يساعد على الخشوع والإخلاص كما قال تعالى فى صفة المتقين {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون} الذاريات:17،18.
ومن أجل التنسيق بين العمل والراحة، أرشد الله إلى أن قيام الليل يكون بحيث لا يؤثر على الواجبات التى تلزمها الراحة وتباشر بالنهار، قال تعالى فى قيام الليل {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه} المزمل: 20 وقال صلى الله عليه وسلم فيمن يرهقون أنفسهم بقيام الليل كله وبالصيام كل يوم " إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه " رواه البخارى بألفاظ مختلفة.
ومما جاء فى كراهية السهر لغير ضرورة أو حاجة ما رواه البخارى ومسلم عن أبى برزة قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها والحديث بعدها.
أما كراهية النوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو أفضله، وهو مذهب مالك، ورخص فيه أبو حنيفة وشرط بعضهم للجواز أن يجعل معه من يوقظه للصلاة.
وأما كراهية الحديث بعدها فلأمور، منها عدم ضياع الثواب الذى أخذه من الصلوات وهو تكفير السيئات، وذلك إذا ارتكب معصية أو لغوا فى السهر، ومنها أن السهر مظنة غلبة النوم فى آخر الليل فيفوت قيام الليل ويعرض صلاة الصبح للفوات، وقد روى عن عمر أنه كان يضرب الناس على الحديث بعد العشاء ويقول: أسمَّرًا أول الليل ونوما آخره، أريحوا كتابكم، والسُمرَّ هم القوم الذين يسمرون بالليل، ويقال لهم: السامر والسُّمَّار، وقد جاء فى ذمهم قوله تعالى عن المشركين {مستكبرين به سامرا تهجرون} المؤمنون: 67 أى سمَّاراً، تكبروا فلم يؤمنوا، وسهروا فى الطعن فى الدين وتدبير المؤامرات للرسول أو فيما لا يفيد، ومن مبررات كراهية السهر فيما لا يفيد إراحة الكتَّاب وهم الملائكة الذين يحصون أعمال الناس كما يشير إليه قول عمر السابق، ومنها مخالفة نظام الله فى جعل النهار للعمل والليل للنوم والسكن، ومنها عدم إزعاج النائمين بما يثار فى السهر من أعمال تقلق الراحة.
وإذا كان السهر بالليل غير مرغوب فيه إلا لضرورة أو حاجة، فإن الأمر الذى يدور عليه السهر إن كان حراما كان النهى مؤكدا، كالذين يمضون وقتا كبيرا من الليل فى السهرات المعروفة بمنكراتها، من أجل المتعة والترويح عن النفس، ومعلوم أن المتعة والترويح عن النفس أمر مباح ولكن فى حدود الحلال فى المادة وفى النتيجة المترتبة عليه، وليس من مصلحة العامل الحر أو المرتبط أن يرهق نفسه بطول السهر ويتأخر عن صلاة الصبح والذهاب إلى العمل، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يبارك لأمته فى البكور كما رواه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان فى صحيحه، ومَرَّ على ابنته فاطمة رضى الله عنه وهى مضطجعة وقت الصباح فقال لها " يا بنية قومى اشهدى رزق ربك ولا تكونى من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس " رواه البيهقى. وقال فى حديث رواه الطبرانى فى الأوسط "باكروا الغدو- أى الصباح - فى طلب الرزق فإن الغُدُو بركة ونجاح " هذا، وقد جاء فى نيل الأوطار للشوكانى"ج 1 ص 15 " حديث رواه أحمد والترمذى عن ابن مسعود " لا سمر بعد الصلاة- أى العشاء الآخرة-إلا لأحد رجلين: مصلٍّ أو مسافر " ورواه ضياء الدين المقدسى عن عائشة بلفظ " لا سمر إلا لثلاثة: مصل أو مسافر أو عروس ".
وجاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَسْمُر عند أبى بكر الليلة كذلك فى الأمر من أمر المسلمين وأنا معه، كما رواه أحمد والترمذى عن عمر رضى الله عنه وهو حديث حسن كما جاء عن مسلم أن ابن عباس قال: رقدت فى بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، قال: فتحدث النبى صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد.
وجمع الشوكانى بين الأحاديث المجيزة للسهر والمانعة منه، بأن الجواز إذا كان لحاجة وفى خير، والمنع إذا كان فى غير ذلك. وقال مثل ذلك القرطبى فى تفسيره "ج 12 ص 138، 139 "

اعلانات