اعلانات

ما حكم الدين فيمن يجترئون على الفتوى من غير أهل الاختصاص ويحدثون بلبلة بين الناس لتعصبهم لآرائهم؟

الفتوى بغير علم

المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

السؤال : ما حكم الدين فيمن يجترئون على الفتوى من غير أهل الاختصاص ويحدثون بلبلة بين الناس لتعصبهم لآرائهم؟

الجواب : يقول الله سبحانه {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} الإسراء: 88، ويقول {وفوق كل ذى علم عليم} يوسف: 76، ويقول {وقل رب زدنى علما} طه: 114، ويقول {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} النحل:
43، ويقول {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} النحل: 16.
ويقول النبى صلى الله عليه وسلم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوهم بغير علم فضلوا وأضلوا" رواه البخارى ومسلم ويقول "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار " رواه الدارمى عن عبيد الله بن أبى جعفر مرسلا. ويقول "إن عيسى عليه السلام قال: إنما الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى عالم " رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد لا بأس به. ويقول "ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العى السؤال" رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطنى وصححه ابن السكن "بيان للناس " ج 1 ص 64".
هذه بعض النصوص التى تدل على أن الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يحيط بكل شىء علما، وأن الجاهل بالحكم يجب عليه أن يسأل المختصين، ومن أفتى بغير علم فقد كذب على الله وعلى الرسول، ضل فى نفسه طريق الحق وأضل غيره عنه، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة كما فى الحديث الذى رواه مسلم.
ولهذا لا يجوز لأحد أن يفتى بغير علم،أو يتعصب لرأى لم يطلع على ما يخالفه من آراء المجتهدين.
والنبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الروح وعن أهل الكهف وعن ذى القرنين فلم يجب حتى نزل عليه الوحى، غير عابئ بما يقوله المشركون والأعداء عندما تأخر الوحى عن الإجابة، ولما سئل عن خير البقاع وشرها قال: حتى أسأل جبريل، كما رواه أحمد وهو بهذا يقف عند حد علمه، ويرسم للناس من بعده الطريق الأمثل لنشر العلم والإجابة على الأسئلة، وصح أنه قال لأميره "بريدة " إذا حاصر العدو أن ينزلهم على حكمه هو لا على حكم الله فإنه لا يدرى ما عند الله.
ونحن نعلم أن بعض الصحابة كانوا يسألون عن مسألة فيحيل على غيره، وأن أبا بكر قال: أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى وأين أذهب وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله تبارك وتعالى؟ وكان لعبارة "لا أدرى" عند القدامى منزلة وممارسة شائعة، فقد روى فيها خبر " العلم ثلاثة، كتاب ناطق وسنة قائمة ولا أدرى " رواه الخطيب موقوفا على ابن عمر.
وروى أبو داود وابن ماجه نحوه مرفوعا "العراقى على الإحياء ج 1 ص 61 ".
وقال ابن مسعود: جُنَّةُ العالم لا أدرى، فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله.
وكان ابن عمر يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويسكت في تسع، والإمام مالك سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال فى اثنتين وثلاثين منها: لا أدرى.
هذه كلها صور مشرقة عن السلف ترينا إلى أى حد كانوا يخشون الفتوى بغير علم، على الرغم من الأمر بتبليغ الدعوة والتحذير من كتم العلم، أرجو أن تكون نبراسا لكل من عنده بعض العلم أن يقف عند حده، ولمن عنده رغبة فى نشر العلم أن يكون متثبتا مما يقول، وأن من عرف رأيا اجتهاديا لا ينبغى أن يتعصب له.
وعلى أن يكون النشاط العلمى تحت مظلة الإخلاص لله، بعيدا عن الرياء والشهرة، وبريئا عن أغراض سيئة تضر بنفسه أو تضر بغيره أو تضر بسمعة الدين نفسه. "ملخص من بحث لى عن الفتوى، ويمكن الرجوع إلى كتاب "الفقه الإسلامى - مرونته وتطوره " لشيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق على جاد الحق، نشر سنة 989 ام

اعلانات