اعلانات

هل التداوى من الأمراض ينافى الرضا بقضاء الله؟ الشيخ عطية صقر


المفتي
عطية صقر.
مايو 1997

السؤال : سمعنا أن مريضا وصف له نقل كلية من صحيح، فقال له بعض الناس: لا داعى للعلاج، فأجله محدود، وليسلِّم أمره إلى الله فان أبا بكر رضى الله عنه عندما مرض قيل له: لو دعونا لك طبيبا، فقال:
الطبيب قد نظر إلىَّ وقال: إنى فعال لما أريد. فهل التداوى من الأمراض ينافى الرضا بقضاء الله؟

الجواب
قرأت العبارة المأثورة عن أبى بكر رضى الله عنه فى إحياء علوم الدين "ج 4 ص 346" عندما تحدث الإِمام الغزالى عن العلاقة بين التداوى والتوكل على الله، وذلك بعد كلامه عن السعى فى إزالة الضرر " ص 343" وقال: إن السبب الذى يقطع بأنه يزيل الضرر كالماء المزيل للعطش، والخبز المزيل لضرر الجوع - ليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت، أما السبب الذى يظن بأنه يزيل الضرر كالذى عند الأطباء ففعله ليس مناقضا للتوكل، ودلل على أن التداوى مشروع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، بل أمر به، وساق من قوله حديث "ما من داء إلا له دواء، عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام " رواه أحمد، وزاد عليه العراقى حديث البخارى " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" وحديث مسلم " لكل داء دواء" وساق الغزالى من فعل النبى صلى الله عليه وسلم أنه تداوى غير مرة من العقرب وغيرها، وذكر العراقى أن الطبرانى رواه بإسناد حسن، وكان إذا نزل عليه الوحى صدع رأسه فيغلفه بالحناء، كما رواه البزار وابن عدى فى الكامل، وكان إذا خرجت به قرحة جعل عليها الحناء كما رواه الترمذى وابن ماجه، وفى رواية البخارى جعل عليها التراب، وفصد عرقا لسعد بن معاذ كما رواه مسلم، وساق من الأمر به حديث " تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء" رواه الترمذى وصححه وابن ماجه، وأمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية.
ثم ذكر الغزالى أن هذه الأدوية أسباب مسخَّرة بحكم الله فلا يضر استعمالها مع النظر إلى مسبب الأسباب وهو الله، دون الطبيب والدواء. وقال فى " ص 246" إن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون، ولكن جماعة من الأكابر تركوه كأبى بكر وأبى الدرداء وأبى ذر وقال: ليس فى تركهم الدواء مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد يكون لبعضهم انكشاف بأن الدواء لا يمنع أجله، إما برؤية صادقة أو بحدس وظن أو بكشف محقق قد يكون منه ما حدث لأبى بكر حيث قال لعائشة فى أمر الميراث: إنما هن أختاك، وكانت لها أخت واحدة ولكن كانت امرأته حاملا فولدت أنثى، فلا يبعد مع هذا الكشف أن يكون قد كشف له أجله ولا حاجة إلى التداوى الذى شوهد الرسول يتداوى ويأمر به.
وقد يكون ببعض من لم يتداووا علة مزمنة لا يقطع بفائدة التداوى منها، وقد يكون لبعضهم أسباب أخرى يمكن الرجوع إلى معرفتها فى المرجع المذكور " ص 47، 48، 49 " ورد الغزالى على من يقولون: إن ترك التداوى أفضل فى كل الأحوال، بأن الرسول فعله وأمر به، وبأنه حذر من دخول بلد فيه الطاعون، ومن الخروج منه إذا وقع به، ونفذه عمر فى طاعون وقع بالشام، ولما قيل له:
أفرارا من قدر الله؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله؟ رواه البخارى مع مراعاة أن قوة الإِيمان لها دخل فى هذا الموضوع، وليس كل الناس سواء فى ذلك، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال " فر من المجذوم فرارك من الأسد " رواه البخارى، فذلك تشريع لعامة الناس وهو الذى أكل مع المجذوم وقال " كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا على الله " رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وغيرهم " جمع الجوامع ص 628".
من هنا نعرف أن التداوى مأمور به، كسبب من أسباب الشفاء الذى هو من الله سبحانه، ومن كانت عندهم قدرة على التداوى وقصَّروا فقد خالفوا هدى النبى صلى الله عليه وسلم، وأن من أثر عنهم ترك التداوى وكان الأخذ عنهم تشريعا قد تكون لهم أسباب مقبولة، فلا يتخذ ما أثر عنهم حجة فى كل الأحوال، والحديث العام معروف " قيدها وتوكل " رواه ابن خزيمة والطبرانى بإسناد جيد.
ومن أراد التوسعة فى معرفة موقف الإِسلام من الصحة عامة فعليه بكتاب الطب النبوى لابن القيم وفى كتابنا "توجيهات دينية واجتماعية" لمحة عنه

اعلانات