اعلانات

قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع بلقيس ملكة سبأ

قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع بلقيس ملكة سبأ
قص الله تبارك وتعالى علينا في القرءان الكريم قصة نبيه سليمان عليه السلام مع “بلقيس” ملكة سبأ في اليمن، وهي قصة رائعة فيها حكم كثيرة وفيها مغزى دقيق للملوك والعظماء، وفيها بيان لسعة مُلك سليمان عليه الصلاة والسلام حيثُ امتد من بيت المقدس إلى أقاصي اليمن ودانت له الملوك والأمراء، وقد اتخذ نبي الله سليمان عليه السلام المُلك وسيلة للدعوة إلى دين الإسلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يترك ملكًا كافرًا ظالمًا إلا ودعاه إلى الدخول في دين الله الإسلام وعبادة الله تعالى وحده، فمن لم يستجب لدعوته كان السيف هو الحكم الفصل، وهكذا انتشر دين الله في أقطار المعمورة وعمّ أرجاء الدنيا.
وتبدأ قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ عندما فصل سليمان عليه السلام عن وادي النمل حيث وقع سليمان مع جنوده في أرض جدباء لا ماء فيها فعطش الجيش فسألوه الماء، وكانت وظيفة الهدهد في جيشه أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء واحتاجوا إليه في القفار والصحارى في حال الأسفار أن يجئ الهدهد فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، وكان الهدهد يدله على الماء بما خلق الله تعالى له من القوة التي أودعها فيه حيث كان ينظر إلى الماء تحت تخوم الارض، وكان يرى الماء في الارض كما يرى الماء في الزجاجة بمشيئة الله تعالى، فكان الهدهد إذا دلّهم على الماء وقال: ههنا الماء، شقَّقت الشياطين الصخر وفجّرت العيون، واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم.
فعندما عطش جيش سليمان عليه السلام واحتاجوا إلى الماء تنفقّد الطير فلم يره بينهم ولم يجده، فأخذ يتهدده بالذبح أو التعذيب إلا إذا أتاه بعذر مقبول عن سبب تخلفه، يقول الله تبارك وتعالى:{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}سورة النمل.
ثم أقبل الهدهد إلى سليمان عليه السلام، فلما سأله عن غيبته أخبره بأنه اطلع على ما لم يطلع عليه، وأخبره بخبر يقين صادق وهو أنه كان في اليمن في بلدة سبأ وأنّ هناك ملكة على هذه البلاد تُدعى “بلقيس” قد ملكت على تلك الأمة في اليمن وأوتيت من كل شيء يُعطاه الملوك ويؤتاه الناس، ولها عرش عظيم مزخرفٌ بأنواع الزينة والجواهر مما يبهر العيون، ثم ذكر لسليمان عليه السلام كفرهم بالله تعالى وعبادتهم الشمس والسجود لها من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصدهم عن عبادة الله تعالى، الذي يُخرج الخَبْءَ والمُستتر في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون وهو رب العرش العظيم، قال الله تعالى:{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ *إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }سورة النمل.
فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام كتابًا ليوصله إلى هذه الملكة مختبرًا صدق الهدهد، وكان هذا الكتاب يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والخضوع لملكه وسلطانه قال تعالى:{قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ*اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}سورة النمل.
وحمل الهدهد كتاب سليمان عليه السلام وجاء إلى قصر بلقيس فألقاه إليها وهي على سرير عرشها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتاب سليمان عليه السلام، وأخذت الملكة “بلقيس” الكتاب فقرأته ثم جمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ثم قالت:{قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } ما أخبر الله به في هذه الآية{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ}سورة النمل، أي أن الكتاب من عنده{وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}.
ثم شاورتهم في أمرها وما قد حلّ بها وخاطبتهم بمضمون هذه الآية{قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ }سورة النمل، تعني ما كنت لأبتّ أمرًا إلا وأنتم حاضرون، فأخذت رجال دولتها العزة بالإثم وثارت فيهم الحماسة للقتال و{قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ }أي لنا قوة على القتال ثم قالوا لها بعد أن عرّضوا لها بالقتال{وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}سورة النمل، ففكرت بلقيس بالأمر مليًا وبروية ولم تتحمس كتحمسهم واندفاعهم وكان رأيها أتمّ وأسد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب قوي السلطان يغلب أعداءه ولا يخالف ولا يُخادع و{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}سورة النمل، تعني أن هذا الملك لو غلب على هذه المملكة لم يخلص الامر من بينكم إلا إليّ ولم تكن الشدة والسطوة البليغة إلا عليّ.
ثم عرضت بلقيس على رجال دولتها ووزرائها رأيًا وجدته أقرب إلى حلّ تلك القضية المستجدّة، وهي أن ترسل إلى سليمان عليه السلام هدية تصانعه بها وتستنزل مودته بسببها وتُحمّل هذه الهدية لرجال دهاة من رجالها حتى ينظروا مدى قوة سليمان عليه السلام، ثم بعد ذلك تقرر ما ستفعله في أمر سليمان على ضوء ما يأتيها من أخبار عن سليمان عليه السلام وقوته، يقول الله تعالى إخبارًا عن بلقيس:{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ }سورة النمل.
وأرسلت “بلقيس” رجالها بهدية تحتوي على الحليّ والجواهر غالية الثمن، فلما جاؤا سليمان عليه السلام ووضعوا بين يديه هدية بلقيس لم يقبلها، وأظهر لهم أنه ليس بحاجة إلى هديتهم وأن الله سبحانه وتعالى أنعم عليه بنعم كثيرة تفوق بكثير ما أنعم عليهم، ثم توعدهم وملكتهم بأن يرسل إلى بلادهم بجنود لا قدرة لهم على قتالهم ويخرجهم من بلادهم أذلة صاغرين يقول الله تعالى:{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}سورة النمل.


عرش بلقيس عند سليمان وكرامة لأحد أتباعه المؤمنين
لما رجعت رُسل بلقيس إليها أخبروا ملكتهم بخبر سليمان عليه السلام، ووصفوا لها ما شاهدوه من عظمة مُلك سليمان عليه السلام وكثرة جنده وقوة بأسه، وأخبروها بأنه رد الهدايا إليها ولم يرض المصانعة، وأنه مصمم على غزو بلادهم بجيش كبير عرمرم لا قدرة لهم عليه، ولما سمعت الملكة “بلقيس” أخبار رسلها عن سليمان عليه السلام وعظيم ملكه أيقنت بعظم سلطانه ومهابته وعدم طاقتها على مقاومته، فبعثت إليه: إني قادمة إليك لأنظر ما تدعو إليه، ثم أمرت بعرشها فجعل وراء سبعة أبواب، ووكلت به حرسًا يحفظونه وسارت إلى سليمان عليه السلام بجيش كبير مع رجالها وجماعتها.
وكان نبي الله سليمان عليه السلام عظيم الهيبة كثيرًا ما كان الناس لا يبدأونه بشيء حتى يسأل هو عنه فجلس يومًا على سرير ملكه فرأى رهجًا قريبًا منه فقال: ما هذا؟ فقالوا: “بلقيس” قد نزلت بهذا المكان وكان قدر فرسخ، وكان قد بلغه أن بلقيس عملت هلى حراسة عرشها قبل خروجها، فلما علم سليمان عليه السلام بقدومها إليه، شيّد لها قصرًا عظيمًا من زجاج وجعل في ممره ماء وجعل عليه سقفًا من زجاج، وجعل فيه السمك وغيره من دواب الماء بحيث يخيل للناظر أنه في لجة من الماء.
وأراد سليمان عليه السلام أن يظهر لبلقيس من دلائل عظمته وسلطانه ما يبهرها وأن ترى بعينها ما لم تره من قبل قط، وهو أن ياتي بعرشها إلى قصره ليكون جلوسها عليه في ذلك الصرح العظيم دليلاً باهرًا على نبوته لأنها خلفته في قصرها واحتاطت عليه، فأمر عليه السلام جنوده وخواصه أن يخبروه عن مخلوق قوي ليأتيه بعرش بلقيس، فتطوع عفريت قوي من الجن وأخبره أنه قادر على إحضار عرش بلقيس في مدة قصيرة لا تتجاوز نصف نهار، يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن سليمان عليه السلام:{قَالَ
يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي
عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}سورة النمل، أي مجلسك، وكان سليمان عليه السلام يجلس للقضاء بين الناس من وقت الفجر إلى نصف النهار، ثم قال له:{وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}سورة النمل، أي وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وذو أمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة.
وكان هناك عند سليمان عليه السلام رجل من أهل الإيمان مشهور بالتقوى والولاية أعطاه الله معرفة اسمه الأعظم ويدعى ءاصف بن برخيا ويقال إنه ابن خالة سليمان فقال لسليمان عليه السلام ما أخبر الله تعالى بقوله:{قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}سورة النمل، أي قبل أن يرجع إليك بصرك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وكان الأمر كما قال وإذا بعرش بلقيس بعظمته وحليّه قائم وحاضر في القصر أمام نبي الله سليمان عليه السلام، فلما رأى سليمان عليه السلام عرش بلقيس عنده في هذه المدة القريبة قال ما أخبر الله به عنه في هذه الآية في قوله:{قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}سورة النمل، أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه{وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}سورة النمل، أي يعود نفع ذلك عليه{وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}سورة النمل أي ترك الشكر.
ثم أمر نبي الله سليمان عليه السلام أن يغير بعض معالم العرش ليمتحن بها قوة ملاحظتها وانتباهها وليختبر فهمها وعقلها، قال الله تعالى:{قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ *فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ}سورة النمل، وهذا من فطانتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن تحت حراسة شديدة، ولم تكن تعلم أن أحدًا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخبارًا عن سليمان عليه السلام:{وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ*وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ}سورة النمل، ولمعنى صدها عن عبادة الله تعالى وحده عبادتها للشمس والقمر اتباعًا لدين ءابائها لأنها نشأت ولم تعرف إلا قومًا كافرين يعبدون الشمس من دون الله تعالى.
وكان سليمان عليه السلام قد أمرها بدخول القصر وكان جالسًا على سرير عرشه، قال الله تعالى:{فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ}سورة النمل.
فلما رأت الدلائل الباهرة والخوارق العجيبة أعلنت إسلامها وتبرأت مما كانت عليه من كفر وضلال، يقول الله تعالى حكاية عن بلقيس:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}سورة النمل.
وبعد أن أسلمت بلقيس ودخلت تحت سلطان سليمان عليه السلام يقال إنه تزوجها وأقرها على مملكة اليمن وردّها إلى بلدها وكان يزورها في مملكتها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وأمر الجن المسخرين له أن يبنوا له ثلاثة قصور هناك. والله أعلم.


اعلانات